Muslim Library

تفسير ابن كثر - سورة التوبة - الآية 122

خيارات حفظ الصفحة والطباعة

حفظ الصفحة بصيغة ووردحفظ الصفحة بصيغة النوت باد أو بملف نصيحفظ الصفحة بصيغة htmlطباعة الصفحة
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email
وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122) (التوبة) mp3
هَذَا بَيَان مِنْ اللَّه تَعَالَى لِمَا أَرَادَ مِنْ نَفِير الْأَحْيَاء مَعَ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك فَإِنَّهُ قَدْ ذَهَبَتْ طَائِفَة مِنْ السَّلَف إِلَى أَنَّهُ كَانَ يَجِب النَّفِير عَلَى كُلّ مُسْلِم إِذَا خَرَجَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا " وَقَالَ " مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة وَمَنْ حَوْلهمْ مِنْ الْأَعْرَاب " الْآيَة قَالَ فَنُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَة وَقَدْ يُقَال إِنَّ هَذَا بَيَان لِمُرَادِهِ تَعَالَى مِنْ نَفِير الْأَحْيَاء كُلّهَا وَشِرْذِمَة مِنْ كُلّ قَبِيلَة إِنْ لَمْ يَخْرُجُوا كُلّهمْ لِيَتَفَقَّه الْخَارِجُونَ مَعَ الرَّسُول بِمَا يَنْزِل مِنْ الْوَحْي عَلَيْهِ وَيُنْذِرُوا قَوْمهمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْر الْعَدُوّ فَيَجْتَمِع لَهُمْ الْأَمْرَانِ فِي هَذَا النَّفِير الْمُعَيَّن وَبَعْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَكُون الطَّائِفَة النَّافِرَة مِنْ الْحَيّ إِمَّا لِلتَّفَقُّهِ وَإِمَّا لِلْجِهَادِ فَإِنَّهُ فَرْض كِفَايَة عَلَى الْأَحْيَاء وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة " يَقُول مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا جَمِيعًا وَيَتْرُكُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده " فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَة " يَعْنِي عُصْبَة يَعْنِي السَّرَايَا وَلَا يَسِيرُوا إِلَّا بِإِذْنِهِ فَإِذَا رَجَعَتْ السَّرَايَا وَقَدْ أُنْزِلَ بَعْدهمْ قُرْآن تَعَلَّمَهُ الْقَاعِدُونَ مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالُوا إِنَّ اللَّه قَدْ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيّكُمْ قُرْآنًا وَقَدْ تَعَلَّمْنَاهُ فَتَمْكُث السَّرَايَا يَتَعَلَّمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّهمْ بَعْدهمْ وَيَبْعَث سَرَايَا أُخْرَى فَذَلِكَ قَوْله " لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين " يَقُول لِيَتَعَلَّمُوا مَا أَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّهمْ وَلِيَعْلَمُوا السَّرَايَا إِذَا رَجَعَتْ إِلَيْهِمْ " لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ " وَقَالَ مُجَاهِد نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أُنَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجُوا فِي الْبَوَادِي فَأَصَابُوا مِنْ النَّاس مَعْرُوفًا وَمِنْ الْخِصْب مَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ وَدَعَوْا مِنْ وَجَدُوا مِنْ النَّاس إِلَى الْهُدَى فَقَالَ النَّاس لَهُمْ مَا نَرَاكُمْ إِلَّا وَقَدْ تَرَكْتُمْ أَصْحَابكُمْ وَجِئْتُمُونَا فَوَجَدُوا فِي أَنْفُسهمْ مِنْ ذَلِكَ تَحَرُّجًا وَأَقْبَلُوا مِنْ الْبَادِيَة كُلّهمْ حَتَّى دَخَلُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَة " يَبْغُونَ الْخَيْر " لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّين " وَلِيَسْتَمِعُوا مَا فِي النَّاس وَمَا أَنْزَلَ اللَّه فَعُذْرهمْ " وَلِيُنْذِرُوا قَوْمهمْ " النَّاس كُلّهمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ " لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ " وَقَالَ قَتَادَة فِي الْآيَة هَذَا إِذَا بَعَثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُيُوش أَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَغْزُو بِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُقِيم طَائِفَة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَتَفَقَّه فِي الدِّين وَتَنْطَلِق طَائِفَة تَدْعُو قَوْمهَا وَتُحَذِّرهُمْ وَقَائِع اللَّه فِيمَنْ خَلَا قَبْلهمْ وَقَالَ الضَّحَّاك : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا غَزَا بِنَفْسِهِ لَمْ يَحِلّ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَتَخَلَّف عَنْهُ إِلَّا أَهْل الْأَعْذَار وَكَانَ إِذَا قَامَ وَأَسْرَى السَّرَايَا لَمْ يَحِلّ لَهُمْ أَنْ يَنْطَلِقُوا إِلَّا بِإِذْنِهِ وَكَانَ الرَّجُل إِذَا أَسْرَى فَنَزَلَ بَعْده قُرْآن وَتَلَاهُ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَصْحَابه الْقَاعِدِينَ مَعَهُ فَإِذَا رَجَعَتْ السَّرِيَّة قَالَ لَهُمْ الَّذِينَ أَقَامُوا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّه أَنْزَلَ بَعْدكُمْ عَلَى نَبِيّه قُرْآنًا فَيُقْرِئُونَهُمْ وَيُفَقِّهُونَهُمْ فِي الدِّين وَهُوَ قَوْله " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة " يَقُول إِذَا قَامَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلّ فِرْقَة مِنْهُمْ طَائِفَة " يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا وَنَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِد , وَلَكِنْ إِذَا قَعَدَ نَبِيّ اللَّه فَسَرَتْ السَّرَايَا وَقَعَدَ مَعَهُ مُعْظَم النَّاس . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة أَيْضًا عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي الْآيَة قَوْله " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة " إِنَّهَا لَيْسَتْ فِي الْجِهَاد وَلَكِنْ لَمَّا دَعَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُضَر بِالسِّنِينَ أَجْدَبَتْ بِلَادهمْ وَكَانَتْ الْقَبِيلَة مِنْهُمْ تُقْبِل بِأَسْرِهَا حَتَّى يَحِلُّوا بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْجَهْد وَيَعْتَلُّوا بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ كَاذِبُونَ فَضَيَّقُوا عَلَى أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَجْهَدُوهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى يُخْبِر رَسُوله أَنَّهُمْ لَيْسُوا مُؤْمِنِينَ فَرَدَّهُمْ رَسُول اللَّه إِلَى عَشَائِرهمْ وَحَذَّرَ قَوْمهمْ أَنْ يَفْعَلُوا فِعْلهمْ فَذَلِكَ قَوْله " وَلِيُنْذَرُوا قَوْمهمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ " الْآيَة وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة : كَانَ يَنْطَلِق مِنْ كُلّ حَيّ مِنْ الْعَرَب عِصَابَة فَيَأْتُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَسْأَلُونَهُ عَمَّا يُرِيدُونَ مِنْ أَمْر دِينهمْ وَيَتَفَقَّهُونَ فِي دِينهمْ وَيَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَأْمُرنَا أَنْ نَفْعَلهُ ؟ وَأَخْبِرْنَا بِمَا نَأْمُر بِهِ عَشَائِرنَا إِذَا قَدِمْنَا عَلَيْهِمْ قَالَ : فَيَأْمُرهُمْ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَاعَةِ اللَّه وَطَاعَة رَسُوله وَيَبْعَثهُمْ إِلَى قَوْمهمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاة وَكَانُوا إِذَا أَتَوْا قَوْمهمْ قَالُوا إِنَّ مَنْ أَسْلَمَ فَهُوَ مِنَّا وَيُنْذِرُونَهُمْ حَتَّى إِنَّ الرَّجُل لَيُفَارِق أَبَاهُ وَأُمّه وَكَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخْبِرهُمْ وَيُنْذَرهُمْ قَوْمهمْ فَإِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ يَدْعُونَهُمْ إِلَى الْإِسْلَام وَيُنْذِرُونَهُمْ النَّار وَيُبَشِّرُونَهُمْ بِالْجَنَّةِ , وَقَالَ عِكْرِمَة لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا " " وَمَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَة " الْآيَة قَالَ الْمُنَافِقُونَ هَلَكَ أَصْحَاب الْبَدْو الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ مُحَمَّد وَلَمْ يَنْفِرُوا مَعَهُ وَقَدْ كَانَ نَاس مِنْ أَصْحَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجُوا إِلَى الْبَدْو إِلَى قَوْمهمْ يُفَقِّهُونَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة " الْآيَة وَنَزَلَتْ " وَاَلَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّه مِنْ بَعْد مَا اُسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتهمْ دَاحِضَة عِنْد رَبّهمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَب وَلَهُمْ عَذَاب شَدِيد " وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي الْآيَة : لِيَتَفَقَّه الَّذِينَ خَرَجُوا بِمَا يُرِيهِمْ اللَّه مِنْ الظُّهُور عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَالنُّصْرَة وَيُنْذِرُوا قَوْمهمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ .
none
Facebook Twitter Google+ Pinterest Reddit StumbleUpon Linkedin Tumblr Google Bookmarks Email

كتب عشوائيه

  • التبرج وخطر مشاركة المرأة للرجل في العمل

    التبرج وخطر مشاركة المرأة للرجل في العمل: بيان خطر تبرج المرأة وبيان أن ذلك من المنكرات العظيمة والمعاصي الظاهرة، وبيان خطر مشاركة المرأة للرجل في ميدان عمله، وأنه مُصَادِم لنصوص الشريعة.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1914

    التحميل:

  • التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة

    التحقيق والإيضاح في كثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة : منسك مختصر يشتمل على إيضاح وتحقيق لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة على ضوء كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -.

    الناشر: موقع الإسلام http://www.al-islam.com

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/2155

    التحميل:

  • مظاهر الرحمة للبشر في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم

    مظاهر الرحمة للبشر في شخصية النبي محمد صلى الله عليه وسلم: بحث حاز على جائزة المركز الثاني بالمناصفة في مسابقة معالي السيد حسن عباس شربتلي العالمية للتعريف بنبي الرحمة - صلى الله عليه وسلم - عام 1428هـ، وهو عبارة عن تسع محاضراتٍ ألقتها الدكتورة سارة آدم تعرِض فيها البحث الذي ألَّفه الدكتور زيد عمر العيص حول مظاهر الرحمة للبشر في شخصية النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -، وفيما يلي عرضٌ لعناوين تلك المحاضرات: المحاضرة الأولى: أزمة في القِيَم وبخل في التاريخ. المحاضرة الثانية: بوادر انفراج وكرم من التاريخ. المحاضرة الثالثة: سوء الفهم، لماذا؟ المحاضرة الرابعة: معالم تأصيل الرحمة في نفوس البشر. المحاضرة الخامسة: الرحمة أولاً. المحاضرة السادسة: العدل الواجب والرحمة الواجبة توازن وتكامل. المحاضرة السابعة: الحرب الرحيمة. المحاضرة الثامنة: وما أرسلناك إلا رحمةً للعالمين. المحاضرة التاسعة: الرحمة بالقوارير.

    الناشر: موقع البرنامج العالمي للتعريف بنبي الرحمة http://www.mercyprophet.org

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/317911

    التحميل:

  • التفكر في ملكوت السماوات والأرض وقدرة الله تعالى

    التفكر في ملكوت السماوات والأرض وقدرة الله تعالى : رسالة مختصرة تحتوي على معنى التفكر، الآثار وأقوال العلماء الواردة في التفكر، بعض فوائد التفكر، طريق التفكر وكيف يتحقق؟ بيان ثمرة التفكر.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/66756

    التحميل:

  • شرح العقيدة الأصفهانية

    شرح العقيدة الأصفهانية: عبارة عن شرح لشيخ الإسلام على رسالة الإمام الأصفهاني في العقيدة، وبيان ما ينبغي مخالفته من أقوال المتكلمين.

    المصدر: http://www.islamhouse.com/p/1913

    التحميل:

اختر سوره

اختر اللغة